الديمقراطية المعلقة في عهد كورونا.. هل تصبح حقوق الإنسان ضحية الجائحة؟

الديمقراطية المعلقة في عهد كورونا.. هل تصبح حقوق الإنسان ضحية الجائحة؟

الديمقراطية المعلقة في عهد كورونا.. هل تصبح حقوق الإنسان ضحية الجائحة؟
كثيرون يحذرون من أن العالم بعد كورونا سيكون أقل ديمقراطية مما كان قبل انتشار الجائحة (بيكربو)

تعاني جميع سمات الديمقراطية حول العالم من آثار جائحة كورونا، حيث تضعف الضوابط على الحكومات بسبب المواجهة مع عدوى الفيروس المستجد، ويغيب المشرعون عن البرلمانات، وتتأجل الانتخابات، ولا تتعامل المحاكم إلا مع القضايا العاجلة، ويمنع التجمع وتقيد الحركة، في حين تتجول المركبات العسكرية في المدن، ويضطر الصحفيون للعمل من المنازل، ويتوقفون عن ملاحقة السياسيين.

ومع تزايد البلدان التي أعلنت حالة الطوارئ العامة، تتزايد المخاوف بشأن مدى انتهاك التدابير -إن لم تكن مناسبة ومحدودة الزمن- الحقوق المدنية الأساسية وسيادة القانون، مع بقاء ما يقرب من ثلث سكان العالم في ما يشبه الحجر الصحي أو الحظر والعزلة. 

فرصة للتعسف
في مقاله بمجلة فورين بوليسي الأميركية، اعتبر فلوريان بيبر أستاذ التاريخ والسياسة في جامعة غراتس النمساوية أن الوباء وفّر للحكومات الديكتاتورية والديمقراطية -على حد سواء- فرصة للتعسف وإساءة استخدام القرار وتقليص الحريات المدنية. 

ويرى بيبر -وهو مؤلف كتاب "مناقشة القومية.. الانتشار العالمي للأمم"- أن الإجراءات الحالية قد تنجح في التخفيف من انتشار الفيروس وتفشي الجائحة، لكن العالم سيواجه خطرا من نوع آخر؛ إذ ستكون العديد من البلدان أقل ديمقراطية بكثير مما كانت عليه قبل مارس/آذار من العام الجاري، حتى بعدما يتراجع خطر الفيروس.

ويتابع أن الضوابط والتوازنات -غالبا- يتم تجاهلها من قبل السلطات التنفيذية في أوقات الأزمات، لكن الخطورة تكمن في أن تتحول هذه الإجراءات الاستثنائية المؤقتة إلى دائمة.

واستشهد المؤلف والأكاديمي النمساوي بخطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا، وقوله "نحن في حالة حرب"، معتبرا أن مثل هذا الخطاب الدرامي يسهم في حشد قوي لمواجهة الوباء، لكن قد تكون مثل هذه النداءات خطيرة؛ فالفيروس ليس جيشا عسكريا، ويمكن لاستحضار فكرة الحرب تبرير إجراءات قمعية، وتحويل أزمة صحية لأزمة أمنية. 

ويقر بيبر بالحاجة إلى تدابير مثل إغلاق الشركات، وفرض التباعد الاجتماعي، وإبعاد الناس عن الشوارع، بما في ذلك حظر التجول والتجمعات للسيطرة على الانتشار السريع للفيروس التاجي؛ ولكنه يحذر كذلك من خطر كبير يتمثل في احتمال أن تؤدي هذه الإجراءات إلى موجة جديدة من الاستبداد.

جدل أوروبي
في ما يشبه البيان الصادر نهاية فبراير/شباط الماضي، قال الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين إن إجراءات الطوارئ التي اتخذتها الحكومات في سياق مكافحة تفشي جائحة كورونا غير عقلانية وغير مبررة، مستندا إلى بيان المجلس القومي الإيطالي للبحوث، الذي اعتبر أن أعراض الجائحة تكون خفيفة أو معتدلة لأغلب الحالات.

وتساءل أغامبين متعجبا: "لماذا تخلق السلطات الحكومية ووسائل الإعلام مناخا من الذعر، يتسبب في حالة استثناء حقيقية تتضمن تقييد الحركة وتعليق الحياة اليومية والعمل في مناطق بأكملها؟" معتبرا أن تلك الحالة تؤدي إلى فرض "عسكرة حقيقية" على تلك المناطق، في صيغة وصفها الفيلسوف الإيطالي "بالغامضة وغير المحددة"، متنبئا بتعميم حالة الاستثناء على كافة المناطق.

واستعرض أغامبين "القيود الحكومية على الحرية"، التي أقرتها السلطات (الإيطالية)، معتبرا أنها غير متناسبة مع التهديد الذي تسببه "عدوى تشبه الإنفلونزا"، ولا تختلف عن الفيروسات المعدية التي تصيبنا كل عام.

وختم الفيلسوف الإيطالي بيانه بالقول إن السلطات استنفدت مبرر الإرهاب لاتخاذ تدابير استثنائية، ولهذا فإن "اختراع وباء يمنحها الذريعة المثالية لتعميم إجراءاتها التي تتجاوز كل الحدود"، مشيرا إلى حالة الخوف والفزع الجماعي، وما اعتبره "قبولا بتقييد الحكومات للحرية تحت دعاوى السلامة".

ويشتهر الفيلسوف الإيطالي والمنظّر القانوني بكتابه "حالة الاستثناء.. الإنسان الحرام"، الذي يعتبر أن السلطات تستخدم الظروف الاستثنائية لتبرير تعطيل القانون، وحيازة السلطة المطلقة، مشيرا إلى تحولها لحالة دائمة حتى في النظم الدستورية الديمقراطية.

وأثار مقال أغامبي جدلا هائلا بين فلاسفة أوروبيين، ورد الفيلسوف السلوفيني الشهير سلافوي جيجيك قائلا إن رد فعل الفيلسوف الإيطالي هو نسخة متشددة من الموقف اليساري الشائع للنظر إلى الذعر والهلع كممارسة سلطوية للضبط والمراقبة والعنصرية.


الفيلسوفان الإيطالي جورجو أغامبين (يمين) والسلوفيني سلافوي جيجيك (مواقع التواصل)
الفيلسوفان الإيطالي جورجو أغامبين (يمين) والسلوفيني سلافوي جيجيك (مواقع التواصل)

وتساءل جيجيك مستنكرا: هل من مصلحة السلطات وأصحاب رؤوس الأموال إثارة أزمة اقتصادية عالمية لدعم سلطتهم؟ وأجاب عن تساؤله بالقول إن الدول مذعورة ومدركة تماما لعجزها عن السيطرة على الوضع، كما أن هذا الذعر يزعزع ثقة المواطنين في الدولة.

وتابع جيجيك في مقاله إن الحجر الصحي والإجراءات الحكومية بالفعل تحدّ من حريتنا، لكن التهديد بتفشي الجائحة أدى أيضا إلى أشكال من التضامن المحلي والدولي، بالإضافة إلى أنه عزز الشعور بالحاجة لمراقبة السلطة نفسها، و"إثبات أن ما حققته الصين يمكن تحقيقه بطرق أكثر ديمقراطية وشفافية".

وقال جيجيك إن إجراءات مواجهة الجائحة لا يجب أن تختزل في النموذج المعتاد للتحكم والمراقبة الذي تبناه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، معتبرا أن اليمين البديل واليسار المزيف يرفضان قبول حقيقة الجائحة على حد سواء، ويقومان بالتنديد بإجراءات مواجهتها.

استراتيجية الذعر
من جانبه، علق الفيلسوف والكاتب الإيطالي سيرجيو بنفينوتو قائلا إن الذعر الذي أصاب بلاده كان في الأساس خيارا سياسيا؛ لأنه في عصر تنتج فيه الديمقراطيات العظيمة "قيادات بشعة"، فإن المنظمات الدولية -مثل منظمة الصحة العالمية- تتخذ قرارات من شأنها تصحيح نزوات الفاشية الجديدة في ديمقراطيات اليوم.

ويلاحظ الفيلسوف الإيطالي أنه في جائحة الإنفلونزا الإسبانية 1918، تصرفت السلطة السياسية بطريقة معاكسة تماما؛ فقد أخفت الوباء، لأنه في معظم الحالات كانت الدول المعنية في حالة حرب، وسُميت الإنفلونزا "الإسبانية" ببساطة لأنه في ذلك الوقت، وفقط في إسبانيا -التي لم تكن في حالة حرب- تحدثت وسائل الإعلام عن المرض، الذي يبدو أنه نشأ في الولايات المتحدة.

ولكن القوى السياسية اليوم -التي يؤكد أنها عابرة للحدود والاقتصاد وتتخطى الحدود الوطنية- تتبع إستراتيجية الذعر؛ لتشجيع الناس على عزل الفيروس. وبالفعل، فإن عزل المصابين لا يزال -بعد قرون- أفضل إستراتيجية لقمع الأوبئة المستعصية، إذ تم احتواء الجذام في أوروبا -كما يؤكد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أيضًا- على وجه التحديد عن طريق عزل المصابين قدر الإمكان، وغالبا في جزر بعيدة.

غير أن الفيلسوف الإيطالي أغامبين عاد للرد بعد انتشار رد نظيره السلوفيني جيجيك، وقال إن المشكلة ليست في إبداء الرأي حول خطورة المرض، وإنما التساؤل عن "العواقب الأخلاقية والسياسية للجائحة"، معتبرا أن المجتمع -بعد موجة الذعر التي شلت البلاد- لم يعد يؤمن بشيء سوى الحياة المجردة. 

وأضاف أغامبين -في مقال جديد بعنوان "توضيحات"- أن الإيطاليين أبدوا استعدادا للتضحية بكل شيء، بما في ذلك الحياة العادية وعلاقاتهم الاجتماعية والعمل والصداقات والمعتقدات الدينية والسياسية لتلافي خطر الإصابة بعدوى كورونا، وهذا الخطر المشترك لا يوحد الناس (كما أشار جيجيك)، وإنما يعميهم ويعزلهم عن بعضهم البعض؛ إذ ينظر للبشر حاليا على أنهم مصدر عدوى وخطر محتمل لا أكثر، ويجب تجنبهم بأي ثمن.

من جانبه، عقّب الفيلسوف والأكاديمي الإيطالي روكو رونشي بمقال "فضائل الفيروس"، معتبرا أن الإجراءات الطارئة التي تفرضها مقاومة الجائحة تعمل على إضفاء الطابع العالمي على "حالة الاستثناء" التي ورثها الحاضر من "اللاهوت السياسي" في القرن العشرين؛ مما يؤكد فرضية ميشيل فوكو بأن السلطة السيادية الحديثة هي" سياسة بيولوجية" بتعبير فوكو، الذي نظر إليها كممارسات وصلاحيات لشبكة السلطة التي تدير الجسد الإنساني والسكان في مجال مشترك بين السلطة والبيولوجيا، وفي زمن الانتشار الشامل للرأسمالية.

ويقول الفيلسوف الإيطالي إن الفيروس يجعلنا نتذكر حالتنا البشرية، في حال نسينا أننا بشر، محدودون، محتملون، ناقصون... إلخ، مما يجبرنا على التأمل في الوجود والحياة والتوقف عن تجنب الحقائق.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية